وهبة الزحيلي

343

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

التي كانت واجبة عليهم من الخلوة واللباس الخشن ، والاعتزال عن النساء ، والتعبد في المغاور والكهوف . عن ابن عباس : أن في أيام الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام غيّر الملوك التوراة والإنجيل ، فساح قوم في الأرض ، ولبسوا الصوف . 6 - آتى اللّه الذين آمنوا من أتباع عيسى والذين ابتدعوا الرهبانية أولا ورعوها أجرهم المستحق لهم ، وكان كثير من المتأخرين بعدئذ فاسقين خارجين عن حدود اللّه وطاعته ، كافرين بما جاء به عيسى وموسى عليهما السلام ، ولما بعث اللّه محمدا صلى اللّه عليه وسلم ، ولم يبق منهم إلا قليل ، جاؤوا من الكهوف والصوامع والمغاور ، فآمنوا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم . 7 - هذه الآية : وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها دالة على أن كل محدثة بدعة ، فينبغي لمن ابتدع خيرا أن يدوم عليه ، ولا يعدل عنه إلى ضده ، فيدخل في الآية . وفيها أيضا دليل على أن العزلة عن الناس في الصوامع والبيوت مندوب إليه عند فساد الزمان وتغيّر الأصدقاء والإخوان . 8 - أمر اللّه تعالى صراحة مؤمني أهل الكتاب ( الذين آمنوا بموسى وعيسى ) أن يتقوا اللّه حق تقاته باتباع أوامره واجتناب نواهيه ، وأن يؤمنوا برسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فإن فعلوا كان لهم مثلان من الأجر على إيمانهم بعيسى ومحمد صلى اللّه عليه وسلم ، وهذا مثل قوله تعالى : أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا [ القصص 28 / 54 ] . ويجعل اللّه لهم أيضا نورا ، أي بيانا وهدى إلى الحق في الدنيا ، وضياء يمشون به على الصراط ، وفي القيامة إلى الجنة ، ويغفر لهم ذنوبهم وسيئاتهم . وهذا وعد من اللّه منجز في أمور ثلاثة كما تقدم : مضاعفة الثواب ، وجعل النور ، وغفران الآثام .